الغزالي

87

إحياء علوم الدين

والعزلة بهذا السبب جهل من وجوه : أحدها : أن التواضع والمخالطة لا تنقص من منصب من هو متكبر بعلمه أو دينه . إذ كان علي رضي الله عنه يحمل التمر والملح في ثوبه ويده ويقول : لا ينقص الكامل من كماله ما جر من نفع إلى عياله وكان أبو هريرة وحذيفة وأبي وابن مسعود رضي الله عنهم ، يحملون حزم الحطب جرب الدقيق على أكتافهم . وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول وهو وإلى المدينة الحطب على رأسه ، طرّقوا لأميركم . وكان سيد المرسلين صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] يشترى لشيء ، فيحمله إلى بيته بنفسه ، فيقول له صاحبه أعطني أحمله ، فيقول « صاحب الشّيء حقّ بحمله » وكان الحسن بن علي رضي الله عنهما يمر بالسؤال ، وبين أيديهم كسر ، فيقولون علم إلى الغذاء يا ابن رسول الله ، فكان ينزل ويجلس على الطريق ، ويأكل معهم ويركب ويقول : إن الله لا يحب المستكبرين . الوجه الثاني : أن الذي شغل نفسه بطلب رضا الناس عنه ، وتحسين اعتقادهم فيه مغرور لأنه لو عرف الله حق المعرفة ، علم أن الخلق لا يغنون عنه من الله شيئا ، وأن ضرره ونفعه بيد الله ، ولا نافع ولا ضار سواه . وأن من طلب رضا الناس ومحبتهم بسخط الله ، سخط الله عليه ، وأسخط عليه الناس . بل رضا الناس غاية لا تنال ، فرضا الله أولى بالطلب . ولذلك قال الشافعي ليونس بن عبد الأعلى : والله ما أقول لك إلا نصحا ، إنه ليس إلى السلامة من الناس من سبيل ، فانظر ما ذا يصلحك فافعله . ولذلك قيل : من راقب الناس مات غما وفاز باللذة الجسور ونظر سهل إلى رجل من أصحابه فقال له : اعمل كذا وكذا ، لشيء أمره به . فقال يا أستاذ ، لا أقدر عليه لأجل الناس . فالتفت إلى أصحابه وقال : لا ينال عبد حقيقة من هذا الأمر حتى يكون بأحد وصفين : عبد تسقط الناس من عينه ، فلا يرى في الدنيا إلا خالقه